
ماذا لو تخلت تلك الأجساد النحيلة عن الحقائب التي تكبرهم حجماً ..ترهقهم دوماً قبل أن يبتدؤوا يومهم هناك..؟
إلى حيث ينتظر الكل منهم الأداء بأفضل حال..واجتناب الزلة..دون أحتسابها تجربة يحتاجها الطفل ليتعلم شيئاً جديداً في هذه الحياة التي ما تزال تفتح أبوابها له على استحياء..
ما يقارب الست ساعات وهو لا يكاد يبتعد عن تلك الأخشاب التي تنهك الجسد من طيلة الرفقة..
والحصيلة!
قد يخطر ببالنا لحظة أنه الحال الوحيد الذي تسير عليه كل جهات التعليم في كل مكان ..
ورغم أن الكثير يتبع سياسة "الحشو بداية..والتفريغ ختاماً" إلا أني لا أرانا مجبرين على اتباعها في كل الأحوال
ما يُفترض هو أن تُعَبِّد السنوات الاثني عشرة الطريق لكل مكافح هناك..أن تمنحه الخبرة القصوى 'التي بمقدورها' للتعامل مع الحياة..أن تجعله أكثر إدراكاً وفهماً لما حوله
والأهم..أن تُبقي برفقته ما جناه خلال سنوات..لا أن تجعله كواجب لا أكثر..لاجتياز اختبار..أو غيره
إضافة إلى أسلوب التلقين الذي يبرع فيه الكثيرون هنا ،إن نجم الإبداع وخلق الجديد يبدأ بالأفول يوماً بعد يوم من جراء اتباع أنسب الطرق لقتل أجمل ما يملكه الطفل وما لا يستطيع الوصول إلى درجته أي بالغ مهما حاول ..فعقل الطفل ما يزال يكتشف.. يرى كل أمر جديد غير اعتيادي فيبدأ بنسج استفساراته الواحد تلو الآخر.. عديدة قد لا نجد لها إجابة..والأهم أننا قد لا نملك القدر الكافي من الصفاء الذهني لنجد في أنفسنا أسئلة كتلك..
قد نظل في غمرة المفاجأة من أسئلتهم ..بالرغم من أن أمثالها قد نشأت فينا يوماً ما لا محالة..لكنّا لا نتفاجأ سوى لأن أحداً ما اغتالها فينا يوماً..فلا نحن نملك أقصى درجاتها كطفل..ولا نحن نقبض على بقاياها..إننا نعتقد أن كل ما نراه أمر حدوثه طبيعي لأن الأيام عودتنا على ذلك..ولأن الكثير من الأسئلة قوبلت بالتجاهل في يوم ما من قبل فأصبحت عقولنا تطبق على غيرها ما عايشته دون وعي منها.. تعلمنا أن الحياة هكذا..مضت سنوات كافية لأن تجعلنا ننخرط فيما لم نكن نتصور أن نتقبله يوماً..فبعد أن كانت الدنيا في أعيننا مثار أسئلة وأفكار أصبح الكثير من أحداثها عادي يتطلب التقبل فقط والمضي..
لمَ تحلق أسراب الطيور ونبقى نُمسك تربة أرضنا ؟
كيف يتبدل الليل نهاراً والنهار ليلاً؟
لماذا تسقط قطرات الماء من السماء..؟
غيرها الكثير..تخلقها تلك العقول
عندما أفكر بالكم الهائل من القدرات الذي اندثر بسبب وحدة التعامل مع الجميع بنفس الطريقة..بالأسلوب ذاته.. دون مراعاة لقدرات كل فرد بنقاط الضعف والقوة لتبديل الأولى وتعزيز الثانية ،أشعر بالأسف الشديد وشيء من الحزن على ما كان بين أيديهم يوماً وفرطوا به ، إننا نبحث عن التطور في العلم ونود تخريج أدباء،علماء ، ناجحين ،مبدعين، مخترعين لكن هذا مالن يتحقق بالصورة الكاملة إن ظل الأمر على ما هو عليه بسبب التجاهل الذي تعيشه الكثير من الجهات المسؤولة والأنظمة اللامبرر لها بتلك المناهج التي يخرج الطالب منها غالباً بلاشيء يحمله منها سوى الشهادة التي ظل يركض خلفها اثنتي عشرة سنة.
ترجمة المناهج الأجنبية وجلبها لأطفالنا هنا ليس الحل وهو للأسف اتـُخذ ومؤكد أن نجاحه أُثبت لديهم كما كل ما يفعلونه
إن كان الأمر يتعلق بكلمة اجنبي ومؤكد نجاحها لهذا السبب فقط وخروجنا ولله الحمد هذه المرة من تهمة التشبه بالكفار ،فلم لا نحاول ترجمة الأساليب التي يتعاملون بها مع هذه المناهج لم لا يُخلق جو من المتعة ليتخلى الجميع عن الإيمان أن المدرسة أمر ممل لا أكثر ، متعب لا أكثر
قاتل للقدرات لا أكثر!
في أحد المدارس في أمريكا ،طالبة في الصف السادس استدعاها المسؤولون في المدرسة متهمينها بالغش في أحد الاختبارات لماذا ؟ لأن كلماتها كانت نص الكتاب نفسه ولم تستخدم أسلوبها في التعبير ،هنا ما هي نظرة الجميع لطالب يحفظ كل ما في الكتاب وينثره على أوراق اختبار بغض النظر عن الفهم أو خلافه؟ لكم الإجابة
الحل يكمن في العقول التي تعطي وتقدم للأطفال ، في تغيير الأسلوب المُتخذ في العملية التعليمية التي يجب ألا تقتصر على غرفة،كراسي ، وطاولات ، "وإن تقطعوا برزنتيشن فالباوربوينت" والاخيرة هي المأساة حيث أصبح الوضع نسخ ولصق كل مافي الكتاب وقراءة محتوى كل شريحة "ويلا الدرس اللي بعده"!
الإصلاح لا يبتدئ بالمناهج بل من يوصلها إلى عقول الطلاب ، والنظام التعليمي ككل.
إنه وفي كل يوم متأكدة أن طفلاً يبدأ شيء ما داخله بالذبول ، والمواقف التي يمرون بها ستظل عالقة في الذكرى ،كل الذكريات تشمل المحبط منها وما يسعى تحت سياسة تهميش حقيقة أن كل شخص يتمتع بشخصية مستقلة متفردة.
أتذكر موقف أخبرتني به أختي التي تكبرني بثلاث سنوات حدث عندما كانت في الصف الثاني الابتدائي ولم تكن قد اعتادت على النظام كثيراً هنا ،طلبت المعلمة من كل طالبة إحضار لوح لتزيين الفصل وكما اعتادت أختي في سنواتها الثلاثة الأول ابتدائي ومرحلة الروضة والتمهيدي فإن الاعمال كلها لتزيين الفصل تكون من أعمال الطالبات وهو أمر منطقي بالنسبة لي على الأقل.
قَدِمت في اليوم المحدد لهنّ ومعها لوحتها التي رسمتها بنفسها وزينتها أما بقية الطالبات فكانت كل لوحة مذيلة باسم خطاط ،فرحت المعلمة بما احضرنه علقت كل اللوحات وبقيت لوحة أختي !
إنها فرصة صغيرة لنشاط لا منهجي قد يـُظهر موهبة في رسم ، قدرة على تنظيم الألوان والتصميم رغم صغر السن ، لكن كيف قلبوا الأمور كلها ؟
قبل أيام بدأت القراءة أكثر عن أحد المدارس أو الأصح نوع من المدارس وهي ما تسمى steiner school
أول مدرسة افتتحت منها كانت في بداية التسعينات في ألمانيا على يد رودلف ستاينر على أساس قناعاته على ضرورة التعامل مع كل شخص كإنسان متفرد والتركيز على مكامن الإبداع .
يوجد حالياً ما يقارب 900 مدرسة حول العالم تتبع هذا النظام ، وهي لا تتبع لمدارس الحكومة .
التعليم هناك مختلف إلى حد كبير ، إن الأطفال يقضون معظم أوقاتهم في الخارج ليكونوا أقرب إلى الطبيعة والتعرف على ما فيها وربط الحقائق بصور محسوسة حقا لا مجرد كلمات في كتاب ،الملاحظة والتفاعل بشكل فعال مع البيئة الخارجية يجعل من التعليم جامع لمتعة وعلم في نفس الوقت .
الفكرة الاساسية والهدف ذاته لا يتغير في هذه المدارس وسأعرض نظام أحد المدارس منها، ربما يكون هناك اختلاف بسيط في اتباع بعض الأمور لكن النتائج واتباع الطرق الفعالة والممتعة لا يتغير
يبتدئ الطلاب فيها من سن 3 حتى التخرج في سن 16
من سن 3 حتى 6 سنوات مرحلة الروضة تخضع للعب ، أعمال يدوية ، التعرف على البيئة الخارجية ، الطهي في الخارج وفي هذه المرحلة لا يتعلم الطلاب أي من القراءة ، الكتابة ولا عمليات الحساب ،إلا أن تعليم لغة اخرى غير لغتهم الأم يبتدئ من هذه المرحلة.
بعد سن السادسة ، تظل المعلمة أو المعلم مع نفس الطلبة لسنوات حتى سن الرابعة عشر وفي هذه المرحلة يبتدئ تعليم الكتابة والقراءة والحساب ،كما يكون هناك في كل يوم ساعتين متواصلة لموضوع في أحد المواد ، تظل هذه الدروس في مادة معينة مستمرة لما يقارب الأربع أسابيع ليتمكن الطالب من فهم وإلمام المراد إيصاله .
أحد الطرق الممتعة التي قرأت عنها وهي تعليم الأطفال الأحرف عن طريق الكتابة على الرمل ، المدرسة لا تتطلب كتب للدراسة ، ولا يوجد اختبارات على المواد التي يتم دراستها ، قد يبدو الأمر بداية غير مقبول ، قد بدا لي كذلك في البداية فقد كنت أعتقد أن الأمر مجرد تمضية وقت ولا يمكن للطلاب دخول الجامعة من بعدها ، إلا أن الحقيقة كانت خلاف ذلك ،طلاب هذه المدارس يمكنهم دخول الجامعات وإكمال الدراسة بعد المدرسة وقد أثبت منهم نجاحهم في ذلك .
في العامين الأخيرين يتم التركيز وبداية دراسة مواد أخرى تطور مراحل الفنون كالرسم والنحت ،كما تستمر دراسة المواد العلمية لكن الأسلوب ذاته لا يتغير فيكون عن طريق ملاحظات الطلاب أنفسهم وتجاربهم، كما قد يسافر البعض منهم إلى مدرسة أخرى من نفس النوع للتعرف على ثقافات الشعوب والتواصل مع أناس آخرين إضافة إلى أن ذلك سيساعدهم في تقوية لغة تلك البلاد لديهم.
قد يتساءل البعض بأنه لا يوجد اختبارات وبإمكان الطلاب الدراسة في الجامعة لاحقاً ..
المدرسة تهيء الطلاب في مناهجها للاختبارات التي تتطلبها الجامعات والتي يؤديها طلاب المدارس العادية ، والكثير منهم يحصل على علامات عالية في تلك الاختبارات .
هناك آراء متفاوتة عن هذه المدارس في الدول التي تحتويها البعض يرفض والبعض الآخر مؤيد .
شخصياً بداية رفضت الفكرة ولم أقتنع بها ،لكن بعد تعمق أكثر وقراءة عنها وجدت أن الامر يستدعي التفكير أكثر ، ما الذي نحتاجه أكثر من مكان يتعلم فيه الطفل ويكتسب مهارات هو في أشد الحاجة إليها ، ويخرج من المدرسة يحمل الاثنين ، يحمل العلم الذي نعجز كثيراً عن أن نبقيه في عقولنا بعد آخر توقيع اختبار نقوم بتوقيعه.
إن الاطلاع والتواصل الأكثر مع البيئة الخارجية مؤكد سيكون له أثره الإيجابي على تلك الشخصيات . بالإضافة إلى أمر مهم قد تعجز المدارس الأخرى العادية عن تقديمه وهو دمج الأطفال ذوي صعوبات التعلم والتطوير من قدراتهم فقد كان هناك حالات ازداد تحصيلها وأصبحت أكثر فاعلية من ذي قبل بسبب تركيز هذه المدرسة على كل طفل على حدة لتعطي كلاً حقه.
أتساءل ما الذي قد ينتج لو كان لدينا هكذا مدارس ،أتمنى ذلك لكن في ذات الوقت أفكر في مدى صحة التطبيق الذي سيكون هنا ، وطبيعة تلك العوائل التي ستجعل أبناؤها يدرسون فيها ، إننا هنا وأذكر الكثير من الأمثلة التي كانت معي فقط لمجرد أن الطالب أو الطالبة تدرس في مدرسة خاصة غير تابعة للحكومة فإن البعض يرى أن له الحق في فعل أي أمر يريد وأن الدرجات من الواجب أن تكون من حقه عمل أم لم يعمل ! ولا أتعجب أبداً عندما أرى أولئك الآباء ،إنهم نفسهم من زرعوا تلك الفكرة ومؤمنين بفكرة ان المدرسة تأخذ لتعطي بحق أو دون حق
هذا في حال مدرسة خاصة فقط ، ماذا عن المدارس التي تحدثت عنها في الاعلى ؟ كيف سيكون الحال فيها ، وهي مدارس تتطلب الكثير أيضاً مالياً هل سيفرح البعض ويعتقد أنها تسلية لا أكثر ويتناسى الجميع هدف التعليم بطريقة مختلفة بهدف اكتساب مهارات ونهل العلم بطريقة مجدية أكثر؟ خاصة أن الاعتقاد غالب بأننا بأموالنا نستطيع الحصول على ما نريد بأقل أتعاب ممكنة..
فكرة هذه المدارس أعدها ثمينة تستحق المراجعة والدراسة ، أليس هذا ما نطلبه ؟ أن نخرّج أجيالاً هي للإبداع عنوان يكتب لها التاريخ إنجازاتها بدل ان نبقى نحن نفتخر بأفعال من سبقونا فقط
السلام عليكم شذا شكرا لموضوعك كنت ابحث عن الاراء لهذا التعليم حيث اني في حيرة شديدة زرت احد هذه المدارس في بريطانيا حيث اعيش مع عائلتي وادي طفلة تبلغ ٤ سنوات وانا مهتمة بتعليمها عجبتني الفكرة لكني افكر عند عودتي للبلدي السعودية هل هذا سيوثر عليها ايجابا ام سلبا......
ردحذفوعليكم السلام ورحمة الله
ردحذفالحقيقة لم أعرف شخصياً من جرّبه..لكني قرأت أكثر عنه بعد أن درست عنه في السنة التحضيرية من قبل مدربة بريطانية
أعتقد بأن ذلك يعتمد أيضاً على مدة بقائك في بريطانيا.. ومثلاً لو عدت قبل تخرج ابنتك..كيف تتعامل المدارس السعودية مع هذا التعليم
بإمكانك زيارتها والاستفسار ربما تجدين عرب أو سعوديين فيها لتستطيعي معرفة المزيد عنها من تجربتهم وكيف يكون الحال لو انتقلتِ إلى السعودية
كنت أتمنى أن أفيدك بشيء :(
أسأل الله لك التوفيق..ولابنتك